أبي حيان التوحيدي

143

المقابسات

لم تكن المائدة ذات ألوان مختلفة ، وأطعمة مركبة ، متباينة في القلة والكثرة ، والملوحة والحرافة ، ومرقة المتقدمة ، لم يقبل كل إنسان على ما يفيق به شهوته الخاصة له ، ولم تمتد يده إليه باللون الذي تدعو إليه العين ، لأن للعين نوعا من الطلب ليس للفم ، وللنفس أيضا مثل ذلك ؛ أعنى النفس المتغذية ، فهذا غير ما هو مطلوب للنفس الناطقة من الترتيب والتكرمة والإيناس والمحادثة قال : فلما كان النوس الإلهي نصحية عامة لدكانة ( ؟ ) ، وجب أن يستعان عليها بكل ما يكون ردءا لها ورفدا معها ، وفارشا لما انطوى [ فيها ] ، وموضحا لما خفى عنها ، وداعيا باللطف إليها ، وضامنا لحسن الجزاء عليها . وهذا قدر كالخالصة مما وقع التفاوض به ، سقته على ما أمكن . والحمد للّه وحده 5 مقابسة [ في شرف الزمان والمكان وتفاوت الناس في الفضيلة ] قلت لأبى بكر القومسى - وكان كبيرا في الأوائل - : بأي معنى يكون هذا الزمان أشرف من هذا الزمان ، وهذا المكان أفضل من هذا المكان ، وهذا الانسان أشرف من هذا الانسان ؟ فقال : هذا يشعر بإفاضة الزمان إلى سعادة شائعة ، وعز غامر ، وبركة فائضة ، وخصب عام ، وشريعة مقبولة ، وخيرات مفعولة ، ومكارم مأثورة من جهة شكل الفلك بما تقتضيه بعض أدواره ؛ وكذلك المكان إذا قابله أثر من هذه الاجرام الشريفة ، والاعمال المنيفة . وأما الزمان الذي هو رسم الفلك بحركته الخاصة فليس فيه جزء أشرف من جزء ، وكذلك المكان ، لأنه